[
الخطاب الذي ألقاه جلالته في منى خلال موسم الحج للعام 1365 ه / 1946 م ]
نحمد الله تعالى الذي حفظ علينا ديننا و عروبتنا و قوميتنا , و ما ذلك إلا
ببركة دعوة محمد صلي الله عليه و سلم , فقد أمننا الله في ديارنا و حفظها من الأسواء
و وقاها الشرور .
و خير ماأنصح به المسلمين أن يتمسكوا بدينهم , ففيه العروة الوثقى التي لا
إنفصام لها ,و لو إتبع المسلمون أوامر دينهم لفازوا بكل أسباب النجاح و السعادة و
لكن ــــ مع الأسف الشديد ــــ فقد دبَّت في المسلمين عناصر غريبة عن دينهم
كانت سببا في إنحلالهم و تأخرهم و وصولهم إلي ما صاروا إليه .
فيجب أن نتعلم من العلوم ما ينفعنا و في مقدمتها كلمة التوحيد , و هي كلمة
الإخلاص و كلمة السعادة , و يجب أن نعرفها و نفهمها و نعمل بها لأنها كلمة جامعة
لخير الدنيا و الآخرة , ففيها إفراد الله بالربوبية و توحيده بالعبودية ( لا إله )
تنفي العبادة عن غير الله ( إلا الله ) تثبت له العبادة سبحانه و تعالى , كما يجب
أن يتطهر المسلمون من البهرجة و الزيف , و أن يتمسكوا بدينهم . و خير مايجب في هذا
الصدد أن يفنى الإنسان في دينه و المحافظة عليه و العمل به , لما إشتمل عله من
الفضائل , و من إتخذ الدين نبراسا له أعانه الله , و من تركه خذله الله.
أسأل الله أن يرحمنا , و يرزقنا إتباع سلفنا الصالحين الذين أقاموا قسطاس
العدل , فهم إسوتنا و هم قدوتنا إن شاء الله .
إنني رجل سلفي , و عقيدتي هي السلفية التي أمشي بمقتضاها على الكتاب و
السنة , أما قدوتنا ــــ إن شاء الله ــــ فهو عمر بن الخطاب في الخلفاء الراشدين
, ذلك الإمام الذي حمل الدقيق على ظهره لأحد أرامل المسلمين , و في الأمويين عمر
بن عبد العزيز الذي ضرب بعدله و زهده المثل , إنني أود أن نفنى ــــ أنا و أولادي
ــــ في سبيل الله , و المسلم لا يبيت على فراشه إلا على نية الجهاد , و كذلك من
لا يود أن يموت مجاهداً في سبيل الله لا يكون صحيح العقيدة . و لقد سبقت لي في
الجهاد صفحات ماضيات ما بليت أن قطعت عضدي في سبيل الله , لأنني لا أقبل في الله
لومة لائم , و لأن أكثر ما يهمني هو المحافظة على كلمة التوحيد ثم على محارم
المسلمين , نسأل الله أن يحيينا عبيداً خاضعين مطعين له , خاشعين في عبادته صادقين
في إيماننا , و علينا بعد ذلك أن نسأل الله تعالى فهو الذي يقول ( إدعوني أستجب
لكم ) , و ها نحن نقول (( لبيك اللهم لبيك )) و لا يتم ذلك إلا بإخلاص العبادة و
الدعاء , فإذا أصلتم دينكم فأصلحوا الدنيا بالتواصي بالرحمة و التعاضد و التساند و
التآخي و التمسك بالإتحاد لكي تكونوا من الذين قال الله فيهم ( الذين إن مكناهم في
الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة
الأمور ) .. فإن تصبكم حسنة فمن الله , و إن تصبكم سيئة فمن نفوسكم , و انظروا إلى
التاريخ كيف كان بنو إسرائيل حينما كانوا متمسكين بدينهم , ثم كيف آل مصيرهم بعد
أن غيَّروا دينهم , فصاروا إلى ما صاروا إليه .
ومن حكمة الله تعالى أن سوى بين عباده , فلا فضل لعربي على أعجمي إلا
بالتقوى , و الحسنة في ذاتها حسنة و لكن من بيت النبوة أحسن , و السيئة في ذاتها
سيئة و لكن من بيت النبوة أسوأ , و قد أعز الله العرب بمحمد صلى الله عليه و سلم ,
النبي الذي هو أفضل من الملائكة و سائر المخلوقات , و من حكمه أنه أعز الإسلام بسلمان
الفارسي و بلال , و أذل المشركين بأبي جهل و أبي لهب ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم
) .
نسأل الله تعالى أن يعز الإسلام و يزيل عنا الشر و العدوان , و أن يوفقنا
إلى العمل بما جرى عليه السلف الصالح ببركة الله ثم ببركة التعاون و التآلف , و
أوصيكم بالتعاضد و التساند و أن يحب أحدكم لأخيه ما يحب لنفسه ..
يقولون أننا (( وهابية )) و الحقيقة أننا سلفيون محافظون على ديننا , ونتبع
كتاب الله و سنة رسوله , و لقد صدق القائل :
فليت الذي بيني و بينك عامر و
بيني و بين العالمين خراب
و نحن جميعاً مقصرون في أمور ديننا , و لكن الله غفور رحيم , و في حديث
قدسي عن الله ( ياعبادي لو لم تذنبوا لخلقت عبادا يذنبون فيستغفرون فأغفر لهم ) .
أما عن فلسطين فنحن فنحن لا نقصر عنها إن شاء الله , و ها نحن مجاهدون في
سبيلها بحول الله , و أنا لا أحب أن أقول (( عملت )) و لا أقول (( سأعمل )) و لا
أحب الأقوال مطلقاً , و لكن متى صلحت النية فالعمل حاصل إن شاء الله .. و ها هي ذي
الجامعة العربية , سنوالي تأييدها بكل ما نستطيع , و قد إتفقت فيها كلمة العرب , و
الذي أرجوه أن يكونوا جميعاً يداً واحدة و ألا يشذ منهم أحد و إلا فقد صح فينا قول
القائل :
تجاف عن العتبى فما الذنب واحد
و هب لصروف الدهر ما أنت واجد
إذاخانك الأدنى الذي أنت حزبه
فواعجباً إن سالمتك الأبعد
و لا زلت أوصي المسلمين بالإتحاد والتعاضد , و إذا كنا ننكر أفعال اليهود
أو غيرهم فيجب أن لا نعمل أعمالهم , و لا يجب أن نعيب و نحذوا حذوهم ..
نسأل الله تعالى أن ينصر دينه , و أن يعلي كلمته , و أن يؤيد المسلمين في
بقاع الأرض و يردهم إلى محجة الهدى و الصواب , و يرشدهم إلى ما فيه نفعهم و صلاح
أمورهم في دينهم و دنياهم ...
التسميات :
خطابات و كلمات